محمد متولي الشعراوي

2863

تفسير الشعراوى

إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 59 ) ( سورة آل عمران ) ولا يملك أحد القيد على فضل اللّه ووسعه ، ومسألة آدم كانت أدق ، لكن اللّه بتفضله يساوى بين خلق عيسى وخلق آدم ، وهذا هو التلطف في الجدل . وأخبرنا سبحانه عن عيسى أنه جاء بأمر منه ، وقال في آدم : فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ( من الآية 29 سورة الحجر ) إذن فآدم قد احتاج إلى الأمرين نفسيهما : « كن » ، و « النفخ فيه من الروح » ، وعندما ننظر إلى هذه المسألة نجد أننا لا بد أن نتعرض لقضية خلق آدم ، حتى نعرف كيف تسلسلت مسألة الخلق ، سواء أكان الخلق ملائكة أم خلق آدم أم خلق حواء أم غيرهم من الخلق ، كذلك خلق عيسى . لقد كان خلق آدم غيبا عن آدم ، وليس لآدم نفسه ولا لمن جاء بعده أن يتكلم كيف خلق ؛ لأن هذه مسألة لا دخل لأحد بها ، ويقول لنا الحق محذرا من أن نستمع إلى قوم يقولون بغير ذلك عن الخلق فقال : ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً ( 51 ) ( سورة الكهف ) ولا يمكن - إذن - أن نستمع إلى هؤلاء الذين افترضوا أن أصل الإنسان قرد أو غير ذلك ؛ لأن الذي يتكلم عن الخلق بغير علم من عند اللّه ، فهو يتكلم في أمر لم يشهده . والخلق الأول أمر لا يمكن أن يدخل المعمل التجريبى ؛ لأن المعمل التجريبى إنما يحلل مواد موجودة بالفعل . إذن فالحكم على أمور بغير ما أخبرنا بها اللّه أمر باطل . ولم يكن هناك أحد مع اللّه ساعة خلق الخلق ليقول لنا كيف تم ذلك . وعلمنا هذه المسائل بإخبار الخالق لنا فهو الأعلم بنا ، والخالق أخبرنا أنه خلقنا من ماء وتراب وطين وحمأ مسنون وصلصال كالفخار ، وحدثنا بذلك في آيات متعددة . والذين يريدون أن يكذبوا القرآن يقولون : إن القرآن لم يأت بخبر واحد عن خلق